مدرسة جمال عبد الناصر

شارك معنا

تعليى


    ماتت المرأة التي علمتني الرجولة

    شاطر
    avatar
    خالد سعد
    Admin

    ذكر عدد الرسائل : 2369
    العمر : 51
    العمل/الترفيه : معلم اول أ
    نقاط تميز : 3000
    رقم العضويه : 1
    تاريخ التسجيل : 12/11/2008

    ماتت المرأة التي علمتني الرجولة

    مُساهمة من طرف خالد سعد في السبت نوفمبر 13, 2010 3:50 am

    ماتت أمي فماتت الدنيا , ماتت أمي .. فمات العالم , ماتت أمي فمات الناس .
    سكت الصوت الذي كان يترنم بتسابيح الملكوت , وهاجر الطائر الذي كان يغرد بصوت السماء .
    فقدت المعاني سيدها , وفارقت السعادة أسبابها .
    ماتت أمي .. فحطت الرحمة أدواتها وارتحلت , انهدم السقف , وتمزق الثوب وتعرى الجسد .
    ماتت أمي .. وتركت لي الحياة ليلة عزاء طويلة , فلم تعد النجوم على الأرض إلا مصابيح مأتم أقيم بليل , ولم يعد للحياة معنى إلا أن تكون القبر , ولم يعد للقبر معنى إلا أن يكون الحياة, لو كنت أملك من عمري شيئا لأعطيت أمي ما يجعلني لا أفارقها ساعة , هي ابتسامة الزمن وإلياذة التاريخ , طبيبة نفسي , وروح روحي , ماتت المرأة التي علمتني الرجولة.
    ماتت .. فأصبحت أحيا ببعض نفس وبعض روح وبعض عقل .
    سبحان ربي الذي جعل من قلب الأم دنيا من خلقه هو , وأسكن فيها معان من سره هو .
    يد لا تعرف إلا العطاء , وقلب لا يعرف إلا الحب والصفح والغفران , ووجه لا يعرف إلا الإقبال والابتسام , سهولة كل صعب , ويسر كل عسير .
    ماتت أمي .. فلم يعد بعدها قلب يضخ الحب والعفو بلا حساب , ولا صدر يحتوي فينفث عطر الأمن والأمان بلا مقابل , ولا وجه يُعرف بإشراق من نور الله . هي المعنى الذي صنعه الله من رحمة خالصة ومن حب خالص ومن غفران خالص , لا يغيره كدر , ولا يبدله عقوق , إذا ماتت الأم مات المكان.
    ملكت مفاتيح نفسي , فإذا ضحكت .. ضحكت الدنيا بأسرها , وإذا بكت .. بكت الأرض والسماء .
    ماتت سر أسراري , وهداية حيرتي , وترجمان كياني , العالم كله على صدر أمي , فإذا وضعت فيه رأسي كنت ملكا متوجا , أمسك بمفاتيح العالم بأسره , كانت قُبلة الله التي حطت على جبيني فرسمت في وجهي معالم الحياة , وقِبلتي التي أحمل إليها كل ما يحمله قلبي من سعادة وشقاء , فماتت القُبلة والقِبلة .
    ماتت .. فلم تعد الحياة حياة, تساوى العسل بالمر , والنور بالظلام , ما عدت أرى شيئاً .
    أي طعم للحياة بلا أمي ؟ والله إني أعجب .. كيف يعشق الرجل امرأة غير أمه ؟؟؟ أين حرارة اليد التي كانت تدفع عني برد الهم وتنفض غبار النكد ؟ أين الوجه الذي كنت أقرأ فيه تاريخي وأيام عمري ؟ لقد أدركت اليوم لماذا وضع الله مفتاح الجنة في يد الأم , وجعلها تحت قدميها , لأن الأم في ذاتها جنة , فأي سائل هذا الذي ترضعه وليدها وفيه كل حاجته من الطعام والشراب والدواء والأمن والأمان وسحر الوصال والالتقاء في آن ؟ لا يكون ذلك إلا سائلا من الجنة .
    وأي عظمة وإعجاز في ذات الأم لتكون جنة بكل معالمها لأولادها , ويكون صدرها أعظم من سكنى القصور, وريحها أطيب من ريح المسك , وصوتها أحلى من مزامير الدنيا كلها .
    الأم .. ؟ يا إلهي , أي صغير في الأرض يجد كفايته من الروح إلا في الأم ؟ وأي رجل – ولو كان ملكا – تهدأ نفسه إلا بين يدي أمه ؟ لو قيس كل نعيم الدنيا بفقد الأم ماساوى شيئا, ماتت أمي .. حقيقة يدركها عقلي, وتنكرها نفسي وروحي حتى ألقاها , راح الكائن الذي كنت أملك فيه حق الرحمة , وما عاد لي حق في أحد .
    انتهت أيامي من الأم, هذه الأيام التي كنت أعرف فيها الغد قبل أن يأتي معرفتي بالأمس الذي مضى, إذ يأتي ومعي أمي .
    وبدأت أيامي من الزمن , وسيأتي كل غد محجبا مرهوبا , إذ يأتي لي وحدي , ويأتي وأنا وحدي .
    لقد كُتبت على وجه كل فاقد لأمه عبارة ( رفقا بي ) اللهم بلغ أمي مني السلام , واجزها عني خيرا , واجعل عملي الصالح في ميزان حسناتها, واهدها بهدية من عندك , اللهم قد سلمت لك الروح , وانقطعت الأسباب إلا سببا موصولا بك , فاللهم أكرم نزلها ووسع مدخلها واغسلها بالماء والثلج والبرد, واجمعنمي بأمي في مستقر رحمتك, في مقعد صدق عند مليك مقتدر


    _________________

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يوليو 16, 2018 8:03 am